دكتورة آية الهنداوي تكتب :إيران في قلب المعادلة…. ماذا لو اختل الميزان
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط لم يعد ممكناً قراءة ما يحدث في المنطقة بمنطق الأحداث المنفصلة. فكل أزمة هنا ترتبط بتوازنات أوسع وكل سقوط في طرفٍ من أطراف الإقليم ينعكس بالضرورة على بقية الأطراف. ومن هذا المنطلق يبرز سؤال جوهري: ماذا يعني أن تتعرض دولة إقليمية كإيران لضغطٍ شديد أو لمحاولات إسقاط سياسي أو عسكري؟
إن القضية لا تتعلق بإيران بوصفها دولة بعينها فحسب، بل تتعلق بطبيعة النظام الإقليمي بأكمله. فالمنطقة العربية عانت تاريخياً من فراغات القوة وكلما انهارت دولة مركزية أو ضعفت منظومة إقليمية تمددت قوى خارجية لملء هذا الفراغ، والتجارب القريبة في العراق وسوريا وليبيا تقدم نماذج واضحة على الكلفة الباهظة لانهيار الدول أو تفكيكها.
من هنا، فإن النظر إلى إيران باعتبارها مجرد خصم أو منافس إقليمي دون إدراك التوازنات الإستراتيجية المحيطة قد يكون قراءة قاصرة للمشهد. فإضعاف أي قوة إقليمية كبرى في الشرق الأوسط يفتح الباب عملياً أمام مزيد من التدخلات الخارجية ويجعل المنطقة أكثر هشاشة أمام مشاريع الهيمنة والنفوذ.
ولقد أثبت التاريخ الحديث أن القوى الدولية الكبرى لا تنظر إلى المنطقة إلا من زاوية المصالح والنفوذ. وحين تتصارع القوى الإقليمية فيما بينها تصبح النتيجة غالباً اتساع مساحة التدخل الخارجي وتراجع قدرة دول المنطقة على تقرير مصيرها بنفسها.
ولهذا فإن المصلحة الحقيقية للدول العربية لا تكمن في الانخراط في صراعات استنزافية جديدة، بل في بناء منظومة تعاون إقليمي قادرة على حماية الاستقرار الجماعي. فالتحديات التي تواجه المنطقة — من الأمن والطاقة إلى الاقتصاد والسيادة — أكبر من أن تعالجها كل دولة بمفردها.
إن اللحظة التاريخية التي تمر بها المنطقة تفرض إعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي. فبدلاً من منطق الاستقطاب الحاد يصبح التعاون والحوار وبناء التوازنات المشتركة هو الطريق الأكثر عقلانية لتجنب مزيد من الفوضى.
وإذا كان الشرق الأوسط قد دفع ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية نتيجة الانقسامات والصراعات، فإن الدرس الأوضح هو أن وحدة الموقف الإقليمي — أو على الأقل التنسيق بين دوله — يظل الضمانة الأقوى في مواجهة الضغوط الخارجية ومحاولات فرض الإرادات من خارج المنطقة.
ومن خلال ما سبق ، أؤكد إن مستقبل الشرق الأوسط لن يصنعه إلا أبناؤه، ولن تحميه إلا إرادتهم المشتركة في الحفاظ على استقرار الإقليم وسيادته.
و أوضح أيضاً أن أي مشروع يهدف إلى إضعاف إحدى دول المنطقة يجب أن يُقرأ دائماً في سياقه الأوسع: هل يخدم استقرار المنطقة، أم يفتح الباب لفصل جديد من الفوضى؟




-4.jpg)

.jpg)